تاريخ الدعارة بين التحريم و التشريع

1 1339
قسم بحوث الكاتب: التعليقات: 0 تعليق
تاريخ الدعارة بين التحريم و التشريع
Donate

كانت الدعارة موجودة في كل حضارة تقريباً على وجه الأرض، و امتدت طوال التاريخ البشري المسجل. وكلما كانت هناك أموال أو سلع أو خدمات متاحة للمقايضة، من المرجح أن يقايضها شخص ما بالجنس.

في كل مكان من زمن الحكاية الملحمية في جيلغاميش والعهد القديم إلى اليوم. حتى وجدت نقوش و منحوتات من الحضارة المصرية القديمة و من كافة الحضارات تصور الممارسات الجنسية في تلك العصور حتى على جدران المعابد.

فماذا تعرف عن تلك الممارسة التي يصرف عليها سنويا حول العالم ما يقارب ال١٨٦ مليار دولار

و قد تفاوتت وجهات النظر من الإشادة بها، إلى التسامح مع محاولة ضبطها تحت القانون، إلى اعتبارها غير قانونية و العقاب عليها، أو حتى تجاهلها كما يحصل في بعض الدول التي لا تسمح بالدعارة علناً. و يستمر ذلك حتى الآن و لكل منهم حجة و مبرر.

غالبا ما يبرر مؤيدو تشريع الدعارة على أن كونها تتم تحت إشراف و تنظيم الدولة يساعد على الحد من انتشار الأمراض المنقولة جنسياً و الحد من إجبار النساء قسراً على ممارسة الدعارة أو الإساءة إليهن.

و رغم ذلك فقد وضحت الدراسات أن جعل الدعارة قانونية كان له تأثير عكسي فقد تزايدت أعداد بيوت الدعارة الخفية و مماسرتها في الخفاء و قد يكون ذلك بسبب عدم رغبة النساء و الرجال المرتبطون بتلك المماسات أن تتم معرفتهم علناً أو يتم إخضاعهم للفحوصات الطبية أو السيطرة عليهم من الحكومات أو تجار الجنس. و بذلك إضفاء الشرعية على الدعارة أدت إلى مشاكل أكثر من منعها.

تسمح عدة دول في الوقت الحالي بالدعارة تحت إشراف الحكومات، في بعض الدول مثل ألمانيا، سويسرا، هولندا، ايطاليا، بنغلادش و كأستراليا و تركيا و تونس و الكيان الإسرائيلي على سبيل المثال و ليس الحصر.

أما في الماضي طوال الفترتين الأغريقية و الرومانية كان يمكن لجميع الرجال قانونياً، بغض النظر عن مستوى الدخل، أن و في يستأجروا شريكا جنسيا إذا اختاروا ذلك. الذي عادته بقوة الكنسية الكاثوليكية بعد ذلك و غالبية الكيانات الدينية في كافة الدول.

تعتبر حالياً الدعارة غير قانونية في دول أخرى كدول الخليج و الولايات المتحدة مثالا لا حصراً. و اختلفت العقوبات المطبقة على ممارسة الدعارة عبر الأزمان فالبابا سيكستوس الخامس أمر بقتل جميع النساء الذين يشاركن في الدعارة عام ١٥٨٦.

أما في عهد الملك هنري الثاني في بريطانيا كانت الدعارة مقبولة لكن سمح بها فقط للنساء العزباوات، و كلف الملك بعمليات تفتيش أسبوعية من بيوت الدعارة في لندن.

وقد عوقبت المرأة المتزوجة المدانة بارتكاب الزنا (مقابل المال أو بدونه) في مصر القديمة بقطع الأنف و الضرب بالسوط لسبب أن هذه السمة كانت الأكثر وضوحا في الوجه و ستكون أشد أشكال العقوبات وأكثرها ضررا على المرأة.

أسباب العمل في الخدمات الجنسية

و حسب التقارير و الدراسات فإن القسم الأكبر من المنخطرطين في عالم الدعارة يكونون من الأجانب عن البلد فقد يكونوا لاجئين من الفقر أو الحروب أو تم احضارهم كعبيد من دول أخرى. و أن معظم النساء اللواتي دخلن في هذا المجال دخلنه جراء شدة الفقر و انعدام الخيارات الأخرى حتى و إن كان الأمر باختيارهن.

الدعارة موجودة في أوروبا قبل فترة طويلة من الثورة الصناعية، ولكن الظروف التي نشأت عن التحضر تسببت في أن تصبح مشكلة أكبر فإن الثورة الصناعية قادرت النساء إلى العمل من أجل دعم أسرهن. وقد أدت الزيادة الهائلة في عدد السكان والفقر الحضري واليأس إلى زيادة الطلب على الدعارة وكمية النساء الموافقات على العلم من أجل المال

حيث كانت الدعارة هي أفضل مركز يدفع للنساء في الطبقة العاملة. ما تنتجه النساء الطبقة العاملة الأخرى في الأسبوع، ينتجنه العاهرات في يوم واحد. وبسبب جدول الأجور، عملت بعض النساء كعاهرات لفترة قصيرة لكسب ما يكفي من المال للزواج، وعادة بدون وصمة عار.خاصةً عندما تفشل جميع الخيارات الأخرى. وكثيرا ما تأتي الشابات من أفقر الأسر، وغالبا ما يكون أحد الوالدين أو كلا الوالدين متوفين. و كان شرطاً ان تكون الشابة فوق السادسة عشر و تشترط أيضا موافقة الزوج إن كانت متزوجة.

الدعارة في الإسلام و في العهد العثماني

وعلى الرغم من أن الدعارة تنتهك بوضوح مبادئ الشريعة الإسلامية، إلا أن النهج القانوني إزاءها أثناء الفترة العثمانية كان أقل وضوحاً. و في الواقع، لا يوجد دليل يذكر على أن العاهرات أو زبائنهن قد تعرضن للقتل أو الرجم حتى الموت و قد تم تشريع و السماح بالدعارة في ظل الحكم العثماني و هو متناقض مع حكومة تصنف نفسها على أنها إسلامية. فعلى سبيل المثال، ترسم إليز سيمردجيان، في كتابها الأخير عن الحياة الجنسية غير المشروعة في حلب العثمانية، نقاشها حول الدعارة الظاهرة أن البغايا في سجلاتها لم يتلقين أبدا “العقوبات الصارمة المكلفة في الكتابات القانونية الإسلامية”

قد استبعد كبار الفقهاء في العهد العثماني القوبات الاسلامية عن الدعارة و لم يتم الأمر بتطبيقها في المحاكم العثمانية
و على الرغم من صراحة النصوص الإسلامية فيما يتعلق بالزنا، الدعارة، و الحياء إلا أن الحكومة العثمانية استطاعت الالتفاف على هذه النصوص. ولم تكن الفتاوى الاسلامية ملزمة للمحاكم و للقاضي أن يحكم بما يراه مناسباً
ففي أحدى الحوادث في حكم السلطان سليمان العظيم في عام ١٥٦٥، اشتكى السكان المحليون على
خمسة نساء من المنطقة كونهن يعملن في الدعارة و قرر القاضي أن يتم بيع بيوت هؤلاء النساء و طردهن من المدينة

و بسبب أن القانون الاسلامي كان صعب التطبيق خاصة في حال وجود شبهة بدون تواجد أربعة شهود عدول قد رأوا الإيلاج التام و الذي غالبا ما يكون مستحيلاً، دفع ذلك العديد من الفقهاء في القرن السادس عشر إلى النظر في الدعارة على أنها قانونية ولكن القوادة كان جريمة. فالعثمانيون فضلوا فرض غرامات على النساء اللواتي يؤدون الخدمات الجنسية.

و فيما بعد تخلى حاكم دمشق في القرن الثامن عشر عن المراسيم والعقوبات وطلب بدلاً من ذلك دفع مبلغ شهري من كل عاهرة وبدأو في التنقل بين الأحياء لتسجيل العاهرات رسمياً

 

في القرن التاسع عشر، فتحت الحانات في العديد من الأماكن في جميع أنحاء الأراضي العثمانية و خاصة اسطنبول. وقد منح الأجانب تصريحا للعمل في بيوت الدعارة في مناطق معينة، بينما منعت المسلمات من ممارستها. ومع ذلك، كان من المعروف أن بعض المسلمات تعملن في المنازل في المناطق الإسلامية مثل أكساراي مع المعرفة الكاملة من الجيران.

و قد حددت الدولة العثمانية بعد انتشار الدعارة بعد الحرب العالمية الأولى للدول التي تقع تحت حكمها قانون يفصّل التسجيل الصحيح لأصحاب بيوت الدعارة وتعاونهم مع إدارة الشرطة. وبناء على ذلك، يتعين على أصحاب بيوت الدعارة إعداد وثيقة تبين هوية البغايا. وكان يجب أن يتضمن هذا الكتيب صورتين، واسمها، فضلا عن سنها ومكان ميلادها ومواطنتها وأسماء بيوت الدعارة التي عملت فيها سابقا. ثم تقوم إدارة الشرطة بإعداد ورقة هوية للمومسات. مع الاهتمام بعمل الفحوصات الصحية للتأكد من خلوهن من الأمراض المنقولة جنسياً و توفير بيوت دعارة مسجلة لدى الحكومة..

الدعارة في مصر و سوريا

ا

رغم مرور أكثر من 62 عاماً على إلغاء تراخيص الدعارة عام 1952 في مصر، إلّا أن المناطق التي كانت فيما قبل مخصصة لهذه الممارسات معروفة حتى الآن، و خاصة بعد الحروب العالمية و انتشار الضباط الإنجليز و الفرنسيين حتى أصبح لديهم حارات كاملة معروفة بتجارة الجنس.

و برغم محاولة ضبط الدعارة و التأكيد على التراخيص و الفحص الطبي كانت الأمراض لا تزال تنتشر بين الممارسين بسبب تغيب العاهرات عن الفحوص الطبية. و سجلت الكثير من حوادث القتل و الإساءة بحق النساء العاملات في هذا المجال من قبل المسؤولين عنهم أو الزبائن و هذا ما لم تستطع الدول المشرعة للدعارة منعه و السيطرة عليه.

في العصر الفاطمي في عهد الخليفة العزيز بالله بن المعز لدين الله اصدر قرار بتحصيل ضريبة من بيوت “الدعارة” مع الاستمرار بعدم منعها و استمر كذلك الأمر بالعهد المملوكي.

و أخدت الحماية التي توفرها الدولة شكل جديد عن طريق توفير عسكر مخصص من جنود الشرطة يختص بملاحقة من يتأخرن في دفع الضريبة الى جانب توفير الحماية لهن من الزبائن الذين لا يدفعون او من المتدينين فكانوا يحاربون وجود العاهرات.

كما أن بيوت الدعارة، والتي كانت تسمى “كراخانات” وهي لفظة تركية تعني غرف النوم، لم تكن تقتصر بتقديم خدمات الجنس فقط و لكن الخمر و بعض المخدرات كالحشيش، و الأغاني و الرقص.

ازدادت هذه البيوت بعد الاحتلال الفرنسي حيث أنشأو بيوت خاصة بهم تحت رعاية الحكومة مع الاهتمام بأن يكون للبيت باب واحد و لايتصل مع غيره من المحال التجارية أو البيوت.و أكثر رواد تلك الأماكن كانو من عساكر الجيوش سواءً المصري، الفرنسي و البريطاني. و تنوعت الأسعار و البيوت بين الشعبي و الراقي

 

في فترة الثلاثينات والأربعينات بدأ دور الدين بالتنامي لنشاط الجمعيات الدينية الذي ساعد على ازدياد جبهة الرفض لعملية الدعارة المشرعة تحت سمع وبصر الدولة، فبدأت الناس تطلب من النواب الحد من قانونية الدعارة في مصر، وفي عام ١٩٨٩ تم تكليل جميع الجهود بالنجاح بصدور مشروع قانون للحد من الدعارة وبيتم اقراره في البرلمان ليصدر عام ١٩٥١ القانون النهائي للأداب العامة القائم حتى اليوم، فيعتبر اي صورة من الدعارة شيء مجرم يستحق فاعلها السجن.

وبعد ثورة ١٩٥٢ ورحيل الملك وبداية عصر الجمهورية، في عام١٩٥٨ أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرار بإلغاء الدعارة في سوريا ضمن حكومة الوحدة، لتنطوي بالكامل صفحة الدعارة المشرعة في مصر وسوريا وتبدأ صفحة جديدة من الدعارة المخفية المطارده من شرطة الأداب في كل مكان.

إعداد و ترجمة : لارا أبازيد

المصادر:الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع (رابط تحميل)